" سفيدريكايلوف" __ الوجـه الآخـــر!
بعد انتهيت من رواية دوستويفسكي الرائعة جدا "الجريمة والعقاب" سألت أخي الذي سبقني إليها عن أي الشخصيات أثارته فكان رأيه "بروفير بيتروفيتش"، قاضي التحقيق، مبهورا بكونه علم منذ البداية بأن رسكولينكوف هو القاتل الحقيقي للمرابية العجوز..
ولما سألني قلت له بابتسامة من توقع ورغب بالسؤال " سفيدريكايلوف "، فقطب جبينه لثانية وكأنه يتساءل من هو لكنه أبقى تقطيبه ذاك حين عرف من أعني!
يظهر "سفيدريكايلوف"- أو "سفيرديجالوف" بحسب الترجمة- مع الأحداث الأولى للرواية في رسالة موجهة من أم رسكولينكوف لولدها تحكي له عن محاولة إغوائه- "سفيدريكايلوف"- لـ"دونيا" أخت "رسكولينكوف" التي تعمل في منزل الأول، وكيف تحملت الأخت – الشريفة حتى النهاية- ما تحملته من تشهير من قبل الزوجة حتى اعترف لها زوجها بالحقيقة أخيرا، فاعتراها الذنب وراحت تعتذر بطريقة مبالغ فيها إذ لم تترك أحدا إلا وخبرته سواء بالإعلان العام أو بالطرق على الأبواب!.
ثم يظهر بعد ذلك شخصيا مع بداية الجزء الثاني من الرواية*، حين يفيق "رسكولينكوف" من كابوس مرعب شاهد فيه المرابية العجوز فيجده أمامه.
وتكون زوجته قد ماتت، وسبقته الشائعات -التي تصبح كشيء قابل للتصديق بسبب ماهيته، وأحيانا أخرى لا تهم!- بأنه قتلها كما تقول أنه تسبب في موت خادمة وفتاة صغيرة!
باختصار "سفيدريكايلوف" ماجن يهوى النساء، مستغل ويعترف نفسه بفجوره في أحاديث تمت بينه وبين "رسكولينكوف"، بل وله فلسفته الخاصة عن وضعه فيقول: "إن للفجور شيء من الاستمرار يضفيه على الطبيعة، وليس عليه أن يتحمل نزعات خيالاتنا وأهوائنا، إن فيه شيئا دائما أشبه بالشعلة المتوقدة في الدم، على استعداد أبدا لمتابعة اللهيب الذي لا ينطفئ بمرور السنين"
وحين يجيبه "رسكولينكوف" بأنه: " مرض، ومرض خطير"، يرد: " إنني أوافقك على أنه مرض ككل شيء يتجاوز حده، والحدود هنا لا يمكننا إلا أن تتجاوز، لكن الأمر الذي قد يكون على غرار هذا بالنسبة للبعض لا يكون كذلك بالنسبة للآخرين"....
وذلك الحوار تحديدا يصل لنهاية أو استقراء من قبل "رسكولينكوف": " هل أنت على استعداد لقتل نفسك! إذا أخفقت في هذا المضمار؟".. فيشمئز "سفيدريكايلوف" قائلا بأنه يكره الحديث عن الموت!..
ولعله في الحديث أعلاه يكمن الفرق الجوهري بين الاثنين "فرسكولينكوف" كان على طول السرد محتارا من الأسباب الحقيقية التي أدت به إلى القتل، هل هي فكرية كفكرة "الإنسان المتفوق / الغير عادي" المطروحة في إحدى مقالاته، أم اجتماعية للحصول على المال، أم لأنه ببساطة شرير كما يردد، لكنه وبضمير معذب يعترف بأنه قتل نفسه بفعلته تلك، ويشمئز منها وتطارده حد مقاربة الجنون!.
في حين يعتبره سفيدريكايلوف كطبيعة فيه، وإن كانت شرا فهي شر لا بد منه!..
لقد كان دوستويفسكي كريما في وصف الخلفية النفسية والفكرية لكافة الشخصيات وبلسانها، إما عن طريق الحوار أم بسرد حالتها النفسية بتمعن، كأوهام "رسكولينكوف" ومرضه، وكذلك الحال بالنسبة لـ"سفيدريكايلوف".
ولعل القارئ سيلحظ التشابه بين "سفيدريكايلوف" و"رسكولينكوف" كما هو بين "دونيا" التي أحبها "سفيدريكايلوف" ورأى فيها خلاصه، و"سونيا"- العاهرة- التي كانت حب وخلاص "رسكولينكوف"..
إن المفارقة تكاد تبدو ساخرة في الحب المربع أعلاه، تشابه آخر يجري بين الاثنين غير كونهم مثقفين، وهي من جهة مشاهدة الأشباح، أشباح ضحاياهم، خوف الاثنين من الموت، حبهم الكبير للأطفال ومساعدة المحتاجين ولو بكامل ما يملكون!..
كما نقف عند تشابه دونيا من حيث مقاربتها على التضحية بنفسها بالزواج من "لوجين" ،الذي لا يناسبها إطلاقا، في محاولة لمساعدة أمها وأخيها مع إسقاط حساب نفسها لأجلهم، وهو كما يراه الكاتب أو بالأحرى "رسكولينكوف" لا يختلف أبدا عن بيع "سونيا" لجسدها لأجل أسرتها فقط، وإن كان في نواح يعذر للأخيرة فعلتها وأحيانا أخرى يتعمد إهانتها!
و"سفيدريكايلوف" في أحاين يلوم دونيا على ما يظنه تودد له ولو بحسن نية!
وكلا المرأتين تتفقان على رسكولينكوف قد أزهق روحا بشرية من غير حق ودفعتاه للاعتراف، إلا أن قرار المرأتين اختلف بخصوص هذين الرجلين، "فسونيا" بقيت حتى النهاية تدفع "رسكولينكوف" –بحب- للتوبة والاعتراف لإنقاذ نفسه وبقيت متفانية ومخلصة حتى بعد ذلك، في حين رفضت "دونيا" "سفيرديكالوف" رفضا قاطعا أدى به إلى نهايته هو!
كلا المرأتين أحبهما رجلين خاطئين، الأول ،أو لعل كلاهما، قاتل، والثاني عربيد، والاثنان يريان في المرأتين باب أو متنفس للخروج من العفن الذي ولجا فيه لأسباب عديدة..
ويرى الواحد الآخر صورة معكوسة لنفسه، فحين يتعمد "سفيدريكايلوف" على سرد مجونه "لرسكولينكوف" في آخر لقاء لهما يقول فرحا: " هل تصدق أنني أجد رغبة في الاستمرار في سرد هذه القصص لأصغي إلى استنكارك وصياحك. إنه سرور حقيقي!"
يغمغم "رسكولينكوف" :" لست أشك في ذلك، أو لست أنا بنفسي شاذا بنظري في هذه اللحظة؟"
ومن بعدها يفترقان، ليتجه "سفيدريكايلوف" إلى هدفه الوحيد لوجوده في بطرسبرج " دونيا " متسلحا بكونه يعرف حقيقة أخيها القاتل، المرأة التي لعله آمن بأنها ( ستنقذه )! وأنفق كل السبل في سبيل الحصول عليها نبيلة كانت أم غير شريفة!..أو أنه ببســاطة كانت هدف يرغب في الحصول عليه بشتى الوسائل، ولو أنني أميل للسبب الأول بالنظر للنهاية التي انتهى بها!
يلتقي معها، يهددها ثم يغويها من جديد، لكنها ترفض فيقول: " إنك تعرفين بأنك تقتلينني"، لا يتوقف ويطلب حاجته بالقوة، تفاجئه بمسدسه، تنطلق الرصاصة، تخدشه، ومن ثم تلقي بالمسدس مستسلمة! وتلك اللحظة الرهيبة يصفها دوستويفسكي في "سفيدريكايلوف":
" لم يكن قلقا بسبب الموت المرتقب إذ أنه كان من المشكوك فيه أن يكون شاعرا بمثل هذا الإحساس في تلك اللحظة. لقد كان مستغرقا في شعور قاتم متطير كان يحار في تفسيره ومعرفة بواعثه"...
فيقترب من دونيا ويسألها للمرة الأخيرة" على ذلك فلن تحبيني"
ثم بيأس يكرر " ولا... يمكنك أن تحبيني؟ أبدا؟"
وحين يجد الرفض في المرتين يوليها ظهره ويتركها تنصرف وكأنه يتخلى أخيرا عن أمله الوحيد في الحياة، لتبدأ بعد ذلك صفحات مخصصة له في الرواية وربما إحدى أكثرها حراكا وسوداوية، يعرج على "سونيا" يقول لها: " أمام "روديون رومانوفيتش" طريقتين لا ثالث لهما: إما أن ينتحر ، وإما أن يمضي إلى سيبيريا". ويترك لها المال، قائلا بأنه كأنه يتركه "لرسكولينكوف" أساسا، يؤدي ما عليه وما يريد، تنتابه الهواجس والكوابيس، وأمام جندي لا ينفك أن يقول:" ليس هناك المكان الذي تريد" يستل مسدسه ويسدده على صدغه الأيمن ويضغط على الزناد منهيا بذلك دوره في دراما فعلا قوية .
ويتفاجأ "رسكولينكوف"- وهو في قسم الشرطة- و(يرتعد) حين يعلم بمصير "سفيدريكايلوف" ، ويشعر "كأن حملا ثقيلا قد انهار فوقه وسحقه"، ليخرج ويعود في نفس اللحظة ويعترف بالجريمة..
بالطبع ستختلف الآراء والقراءات حول "سفيدريكايلوف" كما حصل و"رسكولينكوف" ولو عمومها سيتجه لكون الأول صورة المجرم بطبيعته يستغل ماله وصلاته في الحصول على مراده وإشباع ميوله الشاذة، وأنه أمثولة لأشخاص كثيرين موجودون حتى الآن بيننا، وأيضا لكونه صورة للعدمية في الرواية..
إن دوستويفسكي لم يقصر أسباب الانحراف على المجتمع والأفكار الثورية فحسب بل أيضا جعل للنفس والشر فيها دورا هاما ومؤثرا، وربما كان هذا السبب في كون "سفيرديكالوف" يمثل دور من يكون الشــر فيه أكثر منها ضغوط مجتمع وأفكار ومثل ثورية، والتي ممكن إصلاحها باعتبارها شيء دخيل على نفس نقية، لكن من يعتبره-شذوذه- طبيعيا فيقول مرة:" أعلنت لها استحالة بقائي مخلصا لها كل الإخلاص" ولعل نهايته الدموية هي رأي آخر للكاتب أن من كان الشر فيه فإصلاحه صعب أو حتى مستحيل، وأنه إما سينتهي للجنون أو الانتحار..
فلم اختلف مصير الاثنين وهل قصد دستويفسكي بذلك كون أنه بذرة الشر هي التي تقضي على الإنسان وليست فقط الظروف الاجتماعية والفكرية وإن أورد لها حسابا هاما في معرض نقده الواضح للأفكار السائدة في ذلك العصر؟!
صحيح أن الإنسان هو عامل متغير بفعل الزمان والمكان، لكن دستويفسكي- المؤمن بالمسيح- لعله يؤكد هنا حيوية جوهر الإنسان وأنه هو فقط يمتلك الحق في اتخاذ قراراته، فدوستويفسكي- كما يوافق الكل- يقوم في نهاية رواياته بعملية تطهيرية لمعظم الشخصيات، فهل كان انتحار "سفيدريكايلوف" تطهير، أم أنها حالة أخرى لعدم جدوى إصلاح بعض النفوس؟!
إلى جانب كون الإيمان يلعب دورا كبير في روايات دستويفسكي فهو وعلى الرغم من مقولة البعض أنه تكلم عن العدمية أو تجاوزوا للقول بأنه عدمي!، إلا أن دستويفسكي ينتهي دوما بأولئك غير المؤمنين في رواياته – "الجريمة والعقاب"، "الأخوة كارامازوف"- إلى الجنون كما حصل لـ"ايفان"، والانتحار كما "سمرد ياكوف" في "الأخوة كارامازوف"، و يمكن أيضا أن ندرج "سفيدريكايلوف" فهو مثل للإلحاد والعدمية وهي التي تقول بأنه "مادام الله غير موجود إذن كل شيء مباح"..وإن كنت لا أذكر إن تحدث "سفيدريكايلوف" عن إيمانه من عدمه أم لا حاليا! :)
الخوض في نفسيات شخوص "الجريمة والعقاب" مغامرة لا تنتهي ولا ينضب معينها!.
قال جوته مرة "أن تكون عظيما يعني أن لا تنتهي" وقد كسب دستويفسكي ذلك بتقدير عالٍ ومستحق ويثني النقاد على ذلك بقولهم أن روح الجريمة والعقاب ستحلق على روايات القرن الواحد والعشرين..
جملة دوما تجتاحني في أمر كهذا ولا أدري هل أنسبها لبوارو بطل أغاثا كريتسي أم اختلفت عليّ الروايات الكثيرة في ذلك الوقت، المقولة هي كــ " الرجل يمكن أن تكون نهايته على يد امرأة (شريفة)"..
ولعل هذه المقولة الآن تنطبق على كل من "رسكولينكوف" و "سفيرديكالوف" الذي اختار كل واحد منهما إحدى نهايتين أو خلاصين قادتهما أو ساعدتهما في ذلك المرأتين التي أحباهما!
ومن ناحية أخرى قال بوارو أيضا لامرأة أو ذات المرأة فيما معناه " يمكن أن تحبي لصا لكن لا يمكن أن تحبي قاتلا"!
* "الجريمة والعقاب" الترجمة الكاملة_ الجزء الثاني
عن دار مكتبة الحياة
للإطلاع على موضوع "دستويفسكي في أعينهم" هنــاأو هنـــا