ثم مرت السنون حتى قرأت رائعة نيكوس كازانتاكس"زوربــا"وكان على الغلاف تعليق المترجم جورج طرابيشي عن فيلم مقتبس عن الرواية أدى فيه أنتوني كوين دور زوربا باقتدار وكانت خاتمة القصة -التي لن تنتهي عند ذلك الحد فحسب-مشاهدتي أخيرا لفيلم "زوربا الإغريقي" الصادر عام 1964 بالأبيض والأسود وهو أحد أفضل الأفلام التي شاهدتها مقتبسا عن رواية قرأتها وأحتسبها من بين المفضلات.
Zorba The Greek ( Alexis Zorbas ) IMDB

----

الملصق الأصلي للفيلم
يسير الفيلم على خط الرواية العريض، وهو ان اختلف معها إلا أنه بقي أمينا لجوهر الرواية وقصتها متمثلة بـ الغريزة والفكر زوربا والكاتب الذي أعطاه الفيلم هنا اسما وهوية ملموسة بخلاف الرواية...
تدور أحداث الفيلم في جزيرة كريت في قرية قاسية الملامح والتضاريس والوجوه، لها عاداتها القاسية ولا يتردد أهلها في العويل عند المحتضر بل وسلبه حتى وهو في سكراته الأخيرة.. قرية بمحاذاة البحر الأبيض المتوسط "اللعين صانع الأرامل".
(Basil) الممثل Alan Bates,نصف بريطاني ونصف اغريقي، كاتب صموت متردد مسالم ، يسافر إلى القرية لإدارة منجم فحم ورثه عن والده الإغريقي، يضم إليه أو بالأحرى يقنعه بالإنضمام إليه نقيضه أليكسس زوربا (Anthony Quinn) الحر يرقص حد التعب عند الفرح والحزن، شغوف بآلته السانتوري لايعترف بالندم فيما فعله في حياته، له قناعته الخاصة في أن على الإنسان ألا يتردد أبدا، والأهم يعيش اللحظة الآنية بكل زخمها... ينزلان ضيفين على العجوز السيدة هورتانس (بوبولينا) الفرنسية التي أدت دورها (Lila Kedrova) وحازت به على الأوسكار ويبدأ زوربا علاقة معها هي شهوة و شفقة على جنس النساء الضعيف خصوصا الأرامل أكثر منه حبا، ومن ناحية أخرى يدفع Bates دفعا نحو أرملة القرية ذات العيون الوحشية (أدت دورها Irene Papas ) تلك التي رغب بها كل رجال القرية وكرهوها لأنها رفضتهم فانتقموا لكرامتهم منها على طريقتهم !
وفي ذات الوقت يقومون بمحاولة تشغيل منجم الفحم ومنها تنفيذ فكرة زوربا في استخدام شجر جبل مملوك للمعبد لأجل الدعامات ..وينتهي الفيلم بخاتمة جميلة ورائعة...
كتب السيناريو وأخرجه ميخائيل كاكويانيس (Michael Cacoyannis) وأنتجه مع أنتوني كوين..و(برأيي) ربما هذا الشغف وحصر عمل الفيلم على رؤية واحدة هي للمخرج ما جعل الفيلم ينجح في اقتباسه للرواية.. Cacoyannis الإغريقي أيضا، حمل وعيا لأفكار الرواية المتأثرة بالفلسفة الإغريقية الأولى وحتى نيتشة وإنسانه الخارق..
صور الفيلم بالأبيض والأسود فيما بدا ملائما لفكرة الرواية وشخصيتي النقيض فيها، فالأبيض والأسود متماثلان في النفس البشرية يتصارعان معا لكن صراعهما في الفيلم يقع في شخصيتين منفصلتين في أسلوب لإبراز الصراع للخارج..
يبتدئ الفيلم بمشهد علوي لجزيرة كريت تخرج من بين السحاب، ويهتم المخرج أكثر بتفاصيل الوجوه الكريتية الصامتة في معضمها تتخلله بعض المشاهد الكوميدية ساخرة..
لكن في بعض اللقطات في البداية في المركب كان الركاب يتمايلون بشكل مسرحي في مشهد لم يعجبني ولم أفهم مغزاه ولا أدري لم أقحم به على طرافة بعض المشاهد عند حادثة المنجم والرهبان عند مباركة العمل!!
والموسيقى لـ (Mikis Theodorakis) المستوحاة من موسيقى البحر الأبيض المتوسط كانت ملائمة أيضا للمشاهد في كونها هادئة غير مزعجة واحتفالية بشكل معقول فمن لايسترعيه الانتباه لرقص زوربا وكيف تبدأ الموسيقى معه وهو ماعوض الغياب لآلة السانتوري وعبر عن رمزيتها ممزوجة برقص زوربا..خصوصا حينما يطلب منه الكاتب أن يعلمه الرقص كأفضل مشهد للرقص ولو جاء قصيرا..
لقد أدى كوين دور عمره الذي بقي لاصقا به أو كما يقولون "خلق له" كان آداؤه رائعا في تمثيل أهم شق وركيزة الفيلم، حتى البعد الفلسفي للشخصية في الرواية وصل للمشاهد وفي الناحية الأخرى، الكاتب، كان دور بيتس مقنعا، يعيش بين كتبه، لايمكنه العمل بيديه متردد لايمكنه الإجابة عن أحد أهم الأسئلة الفلسفية عن الموت التي يلقي بها زوربا عليه ويحاول نفسه أحيانا استحضار الروح الزوربية!
ويبدو زوربا كصوت الغرائز في النفس البشرية يغوي الكاتب نحو انتهاز الفرصة السانحة (الأرملة) دون تفكير أو رادع يلقي بها بعيدا خصوصا حينما لا تتكرر الفرص ذاتها في كل مرة..
وقد أدت كيدروفا دور مدام هورتانس الوحيدة ببراعة أيضا، ترقص وتحكي أيام مجدها والأدميرالاات الذين عشقوها، أحبت زوربا والذي إن لم يبادلها بالمثل إلا أنه بقي أمينا لها حتى النهاية..
إيرن باباس على قلة دورها الصامت لكن آداؤها كان جيدا ،وجهها كان مألوفا عندي حتى عرفت أنها مثلت أيضا مع كوين في فيلمي العقاد "أسد الصحراء" بدور مبروكة و"الرسالة" في نسخته الإنجليزية بدور هند بنت عتبة..!
ترشح الفيلم لسبع جوائز أوسكار منها أفضل مخرج وأفضل فيلم وأفضل ممثل لأنتوني كوين لكنه خرج فائزا بثلاثة أخرى منها كما أسلفنا سابقا أفضل ممثلة مساعدة لكيدروفا..
هل نحب زوربا؟
دونما شك، خصوصا وأننا نعلم تماما أننا لن نتخلى نتخلى عن صوت "Basil" صوت العقل أو مايسميه زوربا مجازا "Boss" دلالة على سيطرته على الرغبة البشرية وأهواء النفس!!
وفي النهاية يبقى "زوربا الإغريقي" الفيلم..كالرواية كلاسيكيا من الطراز الأول..يستحق المشاهدة أو القراءة أوالأفضــل كلاهمــا معــا .. !!
--
* الفيلم ساهم في شهرة الرواية ومؤلفها نيكوس كازانتاكس
** اقتبس المخرج مارتن سكورسيزي فيلم آخر عن رواية لكازانتاكس هي "الإغواء الأخير للمسيح"














